ساسي سالم الحاج

119

نقد الخطاب الاستشراقي

ذلك حينما قال : « إن محمدا قد فكّر مليّا في هذه الأمور وعبّر عنها بلغة تشبه القرآن قبل عدة سنوات من بعثته » « 1 » . ويحاول « موير » أن يفسّر الرسالة الإسلامية باعتبارها انعكاسا لرغبات المجتمع المكي عندما يقول : « إن أهل قريش كانوا يغبطون اليهود والنصارى ، وكانوا يرونهم أهل ديانة سماوية ولديهم أنبياء أرسلوا إليهم من بينهم . وكان أهل مكة يقولون لو أرسل إلينا نبيّ لاتّبعناه ولأصبحنا مساوين لليهود والنصارى بل ولأصبحنا أهدى منهم « 2 » . شعر محمد بقوة هذه الحجة وأهميتها كما يقول « موير » ، وقد توافقت هذه الآراء مع تفكيره الذي تطوّر تدريجيّا في عقله ، حتى قاده ذلك التطور إلى اعتقاده أن اللّه أرسله نذيرا وبشيرا لقومه ، ولكن مفهوم رسالته لم تكن واضحة منذ البداية في ذهنه ومن هنا كان ذلك الشك فيها حتى حاول الانتحار وحتى أصابه مرض عصبي من جرّاء ذلك « 3 » . ويستمر « موير » في تحليله لفكرة « الوحي » على هذا السياق ، متعرّضا للسيرة طبقا للروايات الإسلامية المختلفة ، ويفسرها طبقا للمفهوم الغربي الذي رأيناه عند « وات » و « رودنسون » ولعلّ ما تميّز به في هذا المقام إيراده للعديد من الآيات القرآنية مستشهدا بها على تطوّر الدعوة الإسلامية ، محاولا تفسيرها باعتبارها برهانا عقليّا ونقليّا عن تطور تفكير الرسول ، والمصاعب التي واجهها ، والشك الذي اعتراه بداية في طبيعة رسالته . وعندما عالج « موير » كيفية نزول الوحي على الرسول لم يخرج في سرده عن الروايات الإسلامية . فقد بدأ الوحي بالرؤيا الحقيقية ، وكان قبل ذلك يتحنث في غار حراء ويقضي فيه الأيام والليالي ثم يعود إلى أهله ، وكان أحب شيء إليه هذه الخلوة . وبينما كان ذات يوم « بأجياد » رأى ملكا بين السماء والأرض يقول له : « يا محمد أنا جبريل » وقد خاف منه محمد فرجع إلى خديجة مضطرب الفؤاد وأبلغها بما حصل له .

--> ( 1 ) Ibid , p . 66 . ( 2 ) يشير موير هنا إلى الآية 42 من سورة فاطر التي تقول وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً . ( 3 ) أوردنا هذه الفترة باختصار شديد . Muir , op . cit , p . 70 .